• Bayanat - Arabic
  • Posts
  • بناء الشركات الناشئة في فلسطين

بناء الشركات الناشئة في فلسطين

[قراءة 9 دقائق]

الصمود والابتكار: بناء الشركات الناشئة في فلسطين

في هذه النسخة من "أصوات الصناعة" (Industry Voices)، نستكشف ديناميكيات بناء الشركات الناشئة في فلسطين من خلال تجربة يوسف سروج، الشريك المؤسس لشركة مينا أناليتيكس (MENA Analytics)، والمستشار الرئيسي في مومنتوم لابس (Momentum Labs). يلقي هذا المقال الضوء على واقع النظام البيئي للشركات الناشئة في فلسطين —بكل تعقيداته وإلهامه— من منظور شخص يعيش هذه التجربة يوميًا.


الرحيل للتعلم... والعودة للبناء


وُلد يوسف في الناصرة، ونشأ بين بيت لحم وقطر، في بيئة اتسمت بالتنقل والتغيير. درس الاقتصاد والفلسفة في كندا، ثم حصل على ماجستير في الممارسات التنموية من جامعة كاليفورنيا، بيركلي (UC Berkeley). خلال دراسته، شارك في إنتاج فيلم وثائقي يعتمد على لقطات أرشيفية صورتها والدته خلال الانتفاضة الثانية، وهي تجربة أكسبته مهارات جوهرية في العرض التقديمي، والعمل الجماعي، ورواية القصص—مهارات أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من رحلته الريادية.

يقول يوسف: "صناعة الأفلام والشركات الناشئة تتشابهان كثيرًا؛ كلاهما يتطلب رؤية قوية، وفريقًا متماسكًا، وقدرة على الإقناع لجذب التمويل."

ورغم تعليمه الدولي، ظلّت فلسطين دائمًا حاضرة في ذهنه. يتذكر يوسف: "بعد التخرج، حصلت على تدريب في صندوق تحوّط بالقرب من نيويورك. كنت ناجحًا في عملي، لكنني شعرت وكأنني روبوت، أساهم في زيادة ثروة الآخرين دون إحساس حقيقي بالغاية." في تلك اللحظة، أدرك أنه بحاجة إلى العودة إلى فلسطين للبحث عن مسيرة مهنية أكثر تأثيرًا. كان هذا القرار، رغم اعتباره مخاطرة من قبل البعض، هو ما مهد الطريق لرحلته في عالم ريادة الأعمال.


مومنتوم لابس: بناء الجيل القادم من الشركات الناشئة


انضم يوسف إلى مومنتوم لابس، وهو استوديو لبناء الشركات الناشئة في رام الله، يعمل على رعاية الشركات من مرحلة الفكرة حتى الإطلاق. نشأت مومنتوم لابس لمعالجة نقص المسار الواضح لرواد الأعمال في فلسطين. يوضح يوسف: "ساري طه وزين أبودقة أدركا هذه الفجوة وأدركا الحاجة إلى استوديو للشركات الناشئة." وعلى عكس الحاضنات أو المسرّعات التقليدية، يتبع استوديو بناء الشركات نهجًا أكثر تفاعلية. لدعم هذا النموذج، يدير مومنتوم لابس ذراعًا استشارية، حيث يتم استخدام العائدات لتمويل الشركات الناشئة التابعة له.

إحدى هذه الشركات كانت مينا أناليتيكس، التي بدأت في الأصل كخدمة داخل مومنتوم لابس. يقول يوسف: "قبل حوالي عام ونصف، قررنا فصلها وتحويلها إلى شركة مستقلة، ومنذ ذلك الحين توليت منصب الرئيس التنفيذي."


مينا أناليتيكس: تبسيط أبحاث السوق


وُلدت مينا أناليتيكس من تجربة مومنتوم لابس في تنفيذ مشاريع أبحاث السوق عبر المنطقة. خلال هذه المشاريع، أدرك الفريق وجود فجوة واضحة—حاجة إلى أداة تبسط وتعمّم الوصول إلى رؤى السوق عالية الجودة. ومن خلال الاستفادة من الأتمتة والذكاء الاصطناعي، تعمل مينا أناليتيكس على تسهيل العملية بأكملها، بدءًا من تصميم الاستبيانات وحتى تحليل البيانات، مما يجعلها في متناول الشركات من جميع الأحجام. ويوضح يوسف رؤيته بقوله: "نحن نبني بديلاً وديًا لمنصات مثل كوالتريكس (Qualtrics) وإيبسوس (Ipsos)، مع التركيز على سهولة الاستخدام والتكلفة المعقولة للمستخدمين الذين ليس لديهم خلفية في تحليل البيانات أو أبحاث السوق."

تستعد مينا أناليتيكس لعام حافل، حيث يهدف الفريق إلى إطلاق النموذج الأولي للمنتج (MVP) بحلول الربع الثاني من عام 2025، وإغلاق جولة تمويل جديدة بحلول نهاية العام. الهدف النهائي ليوسف هو ترسيخ مكانة المنصة كقائد في أبحاث السوق المؤتمتة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.


فلسطين: منصة انطلاق للابتكار


يشير يوسف إلى المزايا الفريدة التي تتمتع بها السوق الفلسطينية، والتي غالبًا ما يتم التغاضي عنها. يقول: "إنها سوق صغيرة ولكنها متنوعة للغاية." يضم المجتمع الفلسطيني طيفًا واسعًا من التوجهات، بدءًا من المجتمعات المحافظة وصولًا إلى البيئات التقدمية، مما يجعلها نموذجًا مصغرًا فريدًا للعالم العربي. هذه التنوعات تجعل فلسطين بيئة مثالية لاختبار المنتجات الجديدة.

يوضح يوسف: "يمكنك اختبار المنتجات في مجتمعات مختلفة، وبما أن السوق صغيرة، يمكنك بسهولة جمع الملاحظات، وتحديد نقاط النجاح، ثم تكرار تلك النجاحات في أسواق أخرى." لكن على الرغم من هذا الإمكان، تبقى قصص النجاح من هذا النوع محدودة، كما أن التوسع خارج فلسطين يظل تحديًا كبيرًا.


العقبات والتحديات: التمويل والقوانين


تواجه الشركات الناشئة في فلسطين تحديات تمويلية فريدة، حيث يعتمد الحصول على استثمارات من صناديق رأس المال الجريء (VCs) الإقليمية أو الدولية على إثبات النجاح خارج السوق المحلي. يوضح يوسف: "غالبًا ما يطلب المستثمرون أن يكون لدينا مبيعات خارج فلسطين قبل أن يفكروا في الاستثمار."

يؤدي ذلك إلى معضلة الدجاجة والبيضة: تحتاج الشركات الناشئة إلى التمويل للتوسع خارج فلسطين، لكنها بحاجة إلى تحقيق نجاح إقليمي أولًا للحصول على هذا التمويل. يضيف يوسف: "هناك نقص في التمويل المبكر، خاصة على مستوى المستثمرين الملائكيين، مما يجعل بناء منتج محلي قوي خطوة صعبة قبل التفكير في التوسع."

إلى جانب ذلك، تشكل البيئة القانونية والمالية في فلسطين عقبة رئيسية أمام رواد الأعمال. يوضح يوسف: "النظام القانوني هنا لا يفهم حتى ما هي الشركة الناشئة." فعلى سبيل المثال، لا يميز النظام الضريبي الفلسطيني بين الاستثمار والدخل، مما يؤدي إلى فرض ضرائب غير مقصودة على التمويل الحيوي الذي تحتاجه الشركات الناشئة.

علاوة على ذلك، تزيد القيود المصرفية الدولية من تعقيد المشهد. يقول يوسف: "نحن على وشك إغلاق جولة استثمارية، لكن البنك الأمريكي الذي نتعامل معه لا يسمح بالتحويلات إلى فلسطين منذ بداية الحرب. كيف يمكنني دفع رواتب الموظفين إذا كانت كل أموال الاستثمار محتجزة في الولايات المتحدة؟"

ورغم الحاجة الملحة للإصلاحات، فإن التقدم لا يزال بطيئًا. يشير يوسف إلى بعض التغييرات الإيجابية، مثل تحديث قوانين تسجيل الأعمال، لكنه يؤكد أن العقبات السياسية والبيروقراطية لا تزال تعرقل الإصلاحات الأوسع. ويوضح: "هناك ضغوط للتغيير، سواء من الداخل أو من المنظمات الدولية، لكن التعقيدات السياسية تجعل الأمور أكثر صعوبة."

لضمان تقدم مستدام، سيكون التعاون بين الحكومة، والمنظمات الدولية، ورواد الأعمال المحليين أمرًا ضروريًا. وحتى يتم سد هذه الفجوات، سيظل رواد الأعمال الفلسطينيون يواجهون تحديات هائلة فقط للحفاظ على أعمالهم، ناهيك عن السعي للنمو والتوسع.


الصمود وسط التحديات


رغم التحديات، يرى يوسف أن الرياديين الفلسطينيين يتمتعون بمرونة استثنائية. يقول: "عندما تجمع استثمارين خلال حرب، فأنت مستعد لأي شيء."

هذه البيئة القاسية تصقل مؤسسين يتمتعون بقدرة عالية على التكيف، وإيجاد الحلول في أصعب الظروف، مما يجعلهم منافسين أقوياء عالميًا. يضيف يوسف: "يمكنك أن تضع رائد أعمال فلسطينيًا ناجحًا في أي مكان، وسيزدهر. ضعْه في دبي، وسيهيمن بسهولة، لأنه معتاد على العمل تحت ضغط هائل."

يشير يوسف إلى شركة يمسافر (Yamsafer)، وهي وكالة لحجوزات السفر كادت أن تحقق خروجًا استثماريًا ناجحًا بعد تلقي عروض استحواذ من عمالقة الصناعة مثل Booking.com وExpedia، إلا أن جائحة كوفيد-19 أوقفت زخمها تمامًا. يقول يوسف: "الوباء أنهى الشركة ببساطة."

ورغم هذه الانتكاسات، تحقق شركات فلسطينية أخرى نجاحات على المستويين الإقليمي والعالمي. ومن بين هذه الشركات أوليفري (Olivery)، وكوريتافا (Coretava)، وميدل فريم (The Middle Frame)، والتي تحظى بدعم جهات استثمارية مثل Flat6Labs وصندوق ابتكار (Ibtikar Fund)، وهو صندوق رأس المال الجريء الوحيد في فلسطين. يشير يوسف إلى أن "كوريتافا تحقق تقدمًا كبيرًا حتى في أمريكا الجنوبية."

ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلًا أمام النظام البيئي للشركات الناشئة في فلسطين. يختتم يوسف حديثه قائلًا: "لنقيّم الوضع بعد خمس سنوات لمعرفة استراتيجيات الخروج. في الوقت الحالي، لا يزال النظام بحاجة إلى النضوج."


دور الشتات: الاستثمار في المستقبل


يرى يوسف أن الفلسطينيين في الشتات يمكنهم لعب دور محوري في دعم النظام البيئي للشركات الناشئة في فلسطين. ويشيد بمبادرات مثل بلست أنجلز (Peleset Angels)، التي سعت إلى توجيه رأس المال من الشتات نحو استثمارات ملائكية لدعم الشركات الناشئة الفلسطينية.

ورغم أن هذه المبادرة لم تحقق التقدم المطلوب، إلا أن الفكرة لا تزال واعدة. يقول يوسف: "ما نحتاجه هو إطار عمل يمكّن المستثمرين من الشتات من فهم السياق المحلي والتعاون مع رواد الأعمال على الأرض." ويؤكد على أن الاستثمار في فلسطين يتمتع بطبيعة عالية المخاطر وعالية العوائد، مما يتطلب من المستثمرين التحلي بالصبر وفهم التحديات الفريدة التي تواجه الشركات الناشئة.


تغيير ثقافة ريادة الأعمال في فلسطين


يؤكد يوسف أن التحدي الأكبر ليس نقص المواهب، بل عدم استيعاب الثقافة المحلية لطبيعة الشركات الناشئة وآليات عملها. يقول: "مشكلتنا ليست في غياب الكفاءات، بل في فهم كيفية بناء الشركات الناشئة وإدارتها."

هذا هو الدور الذي تلعبه مسرّعات النمو واستوديوهات بناء المشاريع، حيث توفر بيئة تمكّن الرياديين من تجربة الأفكار، الفشل، والتعلم من الأخطاء دون خوف. يرى يوسف أن هذا التحول الثقافي ضروري لإطلاق الإمكانات غير المستغلة لريادة الأعمال في فلسطين.

قبول الفشل والتعاون عنصران أساسيان في هذا التغيير. يقول يوسف: "لا تخف من الفشل." مشيرًا إلى أن الثقافة الفلسطينية لا تزال تتعامل مع الفشل كعائق، بدلاً من رؤيته كفرصة للتعلم. كما يشدد على أهمية الانفتاح والمشاركة، داعيًا المؤسسين إلى مشاركة أفكارهم والسعي إلى التعاون بدلاً من الخوف من سرقة الفكرة. "إذا استطاع أحد تنفيذ فكرتك بشكل أفضل منك، فهذا يعني أنك لم تقدمها بالشكل المطلوب. ابحث عن الأشخاص المناسبين لمساعدتك على بنائها."

في نهاية المطاف، يرى يوسف أن خلق بيئة ريادية مزدهرة في فلسطين يتطلب تحولًا شاملاً، لا يقتصر فقط على تعزيز ثقافة الفشل والتعاون، بل يشمل أيضًا تحسين الوصول إلى التمويل، تطوير الأطر القانونية، وتعزيز الروابط مع الأسواق العالمية.

فقط من خلال هذا التحول، يمكن للنظام البيئي الفلسطيني للشركات الناشئة أن يتحول إلى بيئة مستدامة تدعم الابتكار والنمو.


اشترك في نشرتنا الإخبارية لتكون أول من يعرف عند صدور مقالات أصوات الصناعة الجديدة!